عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
474
اللباب في علوم الكتاب
الخير والبركة ، فالمذكور عقيبه لا بد وأن يكون سببا لكثرة الخير والمنافع ، والإنذار يوجب الغم والخوف ، فكيف يليق ذكره بهذا الموضع ؟ فالجواب : أن الإنذار يجري مجرى تأديب الولد « 1 » ، كما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الولد أكثر ( كان الإحسان إليه أكثر ، لما أن ذلك يؤدي في المستقبل إلى المنافع العظيمة ، فكذا ههنا كلما كان الإنذار كثيرا ) « 2 » كان رجوع الخلق إلى اللّه أكثر ، وكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر ، وهذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى المنافع العاجلة ؛ لأنه تعالى لما وصف نفسه بأنه معطي الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين ، ولم يذكر منافع الدنيا البتّة « 3 » . قوله : « الّذي له ملك » يجوز في « الّذي » الرفع نعتا للذي الأول « 4 » ، أو بيانا « 5 » ، أو بدلا « 6 » ، أو خبرا لمبتدأ محذوف « 7 » ، أو النصب على المدح « 8 » . وما بعد بدل من تمام الصلة فليس أجنبيا ، فلا يضر الفصل به بين الموصول الأول والثاني إذا جعلنا الثاني تابعا له « 9 » . فصل : [ في معنى قوله : « الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » ] « الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه حال حدوثها ، وأنه سبحانه هو المتصرف فيها كيف يشاء « 10 » . « ولم يتخذ ولدا » أي : هو الفرد أبدا ، ولا يصح أن يكون غيره معبودا ووارثا للملك عنه ، وهذا رد على النصارى « 11 » . « وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ » أي : هو المنفرد بالإلهية ، وإذا عرف العبد ذلك انقطع رجاؤه عن كل ما سواه ، ولم يشتغل قلبه إلا برحمته وإحسانه ، وفيه رد على الثنوية ، والقائلين بعبادة النجوم والأوثان « 12 » . قوله : « وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ » الخلق هنا عبارة عن الإحداث والتهيئة لما يصلح له ، لا
--> ( 1 ) في النسختين الولد . والتصويب من الفخر الرازي . ( 2 ) ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي . ( 3 ) انظر الفخر الرازي 24 / 45 - 46 . ( 4 ) انظر البحر المحيط 6 / 480 . ( 5 ) وجاز ذلك لأن الموصول الثاني أخص من الموصول الأول . ( 6 ) انظر الكشاف 3 / 88 ، التبيان 2 / 980 ، البحر المحيط 6 / 480 . ( 7 ) انظر التبيان 2 / 980 . ( 8 ) انظر الكشاف 3 / 88 ، التبيان 2 / 980 ، البحر المحيط 6 / 480 . ( 9 ) قال الزمخشري : ( فإن قلت : كيف جاز الفصل بين البدل والمبدل منه ؟ قلت : ما فصل بينهما بشيء ، لأن المبدل منه صلته « نزل » و « ليكون » تعليلا له ، فكأن المبدل منه لم يتم إلا به ) الكشاف 3 / 88 ، وقال أبو حيان : ( وما بعد « نزل » من تمام الصلة ومتعلق به فلا يعد فاصلا بين النعت أو البدل ومتبوعه ) البحر المحيط 6 / 480 . ( 10 ) انظر الفخر الرازي 24 / 46 . ( 11 ) المرجع السابق . ( 12 ) المرجع السابق .